قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر» (متى 2: 13)
يذكر إنجيل القديس متى أن ملاك الرب ظهر ليوسف في حلم، أن يأخذ الطفل يسوع وأمه ويهرب إلى مصر هربًا من بطش هيرودس الملك.
عبرت العائلة المقدسة إلى مصر، وبقيت فيها حتى وفاة هيرودس
تحتل مصر مكانة فريدة في التاريخ المسيحي، فهي الدولة الوحيدة خارج أرض الميلاد التي استقبلت السيد المسيح في طفولته، واحتضنت العائلة المقدسة خلال رحلتها التي أصبحت واحدة من أكثر الروايات الروحية تأثيرًا في التاريخ الإنساني. وعلى أرضها وجدت العائلة المقدسة الأمان في زمن الخوف، والحماية في زمن الاضطهاد، لتصبح مصر جزءًا أصيلًا من قصة ما زالت تلهم ملايين البشر حول العالم حتى اليوم.
لم تكن مصر مجرد محطة عابرة في هذه الرحلة المباركة، بل كانت وطنًا مؤقتاً تحركت فيه العائلة المقدسة عبر المدن والقرى والوديان والجبال، تاركة وراءها إرثًا روحيًا وثقافيًا ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.
بدأت رحلة العائلة المقدسة بدخولها إلى الأراضي المصرية عبر الحدود الشرقية، ثم واصلت طريقها عبر مناطق متعددة من الدلتا والقاهرة ووادي النطرون، قبل أن تتجه جنوبًا عبر وادي النيل حتى وصلت إلى صعيد مصر. وعلى امتداد هذه الرحلة ارتبطت مواقع عديدة بمرور العائلة المقدسة أو إقامتها أو استراحتها، لتصبح عبر القرون محطات مقدسة يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم.
في قلب القاهرة تحتفظ عدة مواقع بذاكرة الرحلة المباركة، من بينها شجرة مريم بالمطرية، وكنيسة القديسين سرجيوس وباخوس (أبي سرجة) بمصر القديمة، وكنيسة السيدة العذراء بالمعادي، وهي مواقع تمثل محطات بارزة في مسار الرحلة.
يمثل أحد أهم المراكز الروحية في العالم المسيحي، حيث ارتبطت هذه المنطقة برحلة العائلة المقدسة، وأصبحت لاحقًا موطنًا للرهبنة القبطية وأحد أهم مراكزها التاريخية وبها أقدم أربعه أديرة قبطية هذا الى جانب نبع الماء الصافى وسط البحيرة المالحة التى شرب منها الطفل يسوع والعائلة المقدسة نبع الحمراء).
كلما اتجهت الرحلة جنوبًا تكشف مصر عن مشاهد طبيعية وثقافية جديدة. ومن أبرز محطات هذه المرحلة دير السيدة العذراء بجبل الطير بمحافظة المنيا، الذي يجمع بين القيمة الروحية والموقع الطبيعي الفريد المطل على نهر النيل.
في قلب صعيد مصر يقع الدير المحرق ، أحد أهم مواقع مسار العائلة المقدسة وأكثرها ارتباطًا بالتقليد القبطي، حيث يُنظر إليه باعتباره من أبرز المحطات التي شهدت أطول فترة إقامة للعائلة المقدسة أثناء وجودها في مصر. ولا يزال الدير حتى اليوم مركزًا روحيًا مهمًا ووجهة رئيسية للزوار من داخل مصر وخارجها.
إن زيارة مسار العائلة المقدسة ليست مجرد رحلة بين مواقع تاريخية، بل تجربة إنسانية وثقافية وروحية تدعو الزائر لاكتشاف أرض لعبت دورًا استثنائيًا في واحدة من أكثر القصص تأثيرًا في العالم. هنا، في مصر، ما زالت الرحلة حاضرة. وما زالت آثارها تنبض بالحياة حيث أن هذة النقاط أقيمت عليها الكنائس والأديرة التى تقام فيها الصلوات والتسابيح، ولقد حافظت الكنيسة على هذا التراث الروحى لفترات طويلة ترجع الى قرون سابقة.
تمثل مصر واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، وقد شكلت عبر تاريخها الطويل نقطة التقاء بين الثقافات والشعوب والأديان. وفي مسار العائلة المقدسة تتداخل هذه الطبقات الحضارية لتقدم تجربة فريدة تجمع بين الحضارة المصرية العريقة، والتراث القبطي الأصيل، والقيمة الروحية العالمية للرحلة.
لا يقتصر مسار العائلة المقدسة على البعد الروحي وحده، بل يقدم للزائر تجربة متكاملة تجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة والتراث الحي. ومن خلال هذه الرحلة يمكن اكتشاف الكنائس التاريخية والأديرة العامرة والعمارة القبطية والمجتمعات المحلية والمناظر الطبيعية التي تمتد من الدلتا إلى الصعيد.
من بين أكثر من 30 محطة معتمدة، تم اختيار عشر محطات لتطويرها في المرحلة الأولى — تم اختيارها لأهميتها التراثية، وسهولة الوصول إليها، وجاهزيتها للتدخل. هذه هي المواقع التي يتم فيها بناء المسار اليوم.